الخميس، 13 يونيو 2013

خطبة الزكاة



بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في كتابه العزيز: (إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم () إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا وخرج أضغانكم () ها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
فإذا امتثل أحدنا لأمر الله عز وجل في الزكاة وأراد أداء حق الله عليه في المال الذي أعطاه فعليه أن يعلم كيف يؤدي الزكاة ولمن يعطي المال.
على مؤدي الزكاة أن يراعي عدة أمور:
أولًا التعجيل والمبادرة بدفع الزكاة عقب الحول أو قبله. وفي ذلك إظهار للرغبة في الامتثال لأمر الله وإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان. فينبغي أن يغتنم أحدنا فرصة تمكنه ومصادفته من يستحق الزكاة وأن لا يدع للشيطان مجالًا فحيل الشيطان كثيرة وتقلب المؤمن سريع. فمن حيل الشيطان حيلة السبب الوحيد وهي أن يقول الإنسان لنفسه بقي لي هذا الشيء أحصل عليه ثم أتصدق فيما يبقى لي. ولكن بعد هذا الشيء يُظهر له الشيطان شيئًا آخر وهكذا .. قال تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والمنكر). ومن أخَّر زكاة ماله فقد عصى ولا تسقط عنه الزكاة إن تلف ماله بعد ذلك.
أما الأمر الثاني فيغفل عنه الكثيرون وهو أن لا ينقل الزكاة إلى بلد آخر لأن فقراء البلد التي يوجد فيها المزكي هم أولى من غيرهم بالزكاة إذا لم يوجد لهم ما يسد حاجتهم ولأن أعين المساكين في كل بلدة تمتد إلى أموالها وفي نقل الزكاة تخييب لهم. وقد نهى الأئمة عن ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه لمعاذ  رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: (ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم). ولو أن أغنياء كل بلد دفعوا زكاة أموالهم لما بقي بينهم فقراء.
الأمر الثالث أن يسر المزكي في زكاته ليبتعد عن الرياء والسمعة ويكون مخلصاً لله عز وجل لا يرجو بصدقته رؤية الناس له. وكذلك حتى لا يؤذي الفقير بإظهاره محتاجًا أمام الناس وهتك ستره. وعليه أن يعلن صدقته حين يقتضي الأمر الإعلان وذلك إذا علم أنَّ في إعلانه ترغيب للناس بالاقتداء به وخاصةً إذا كان السائل مستحقًا وقد سأل على ملأ من الناس. قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم)، وقال في آية أخرى (وأنفقوا في سبيل الله سراً وعلانية).
رابعًا على المزكي أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى). والمن أن يذكرها ويتحدث بها أمام الناس أو أن يستخدم الفقير في العطاء أو أن يتكبر عليه لأجل عطائه ومن المن أن يرى نفسه محسناً إلى الفقير منعماً عليه بينما يجب أن يرى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله عز وجل منه وفي ذلك طهرٌ له من البخل ونجاةٌ له من النار، فهو إنما يحسن لنفسه مظهراً امتثاله لأمر الله عز وجل مزكياً لنفسه وشاكراً لنعم الله عليه وطالباً للمزيد منه. وأما الأذى فأن يعيِّر الفقير في فقره أو أن ينتهره أو يوبخه لسؤاله. ومصدر ذلك رؤيته أنه خير من الفقير وهذا جهل لأنه لو عرف فضل الفقر وخطر الغنى لما فعل ذلك.
خامساً: أن يستصغر عطاءه ولا يستعظمه فهو إن استعظمه أعجب به والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال. وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تصغيره وتعجيله وستره.
سادساً: أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه فإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، ومن سوء الأدب أن يأخذ الجيد لنفسه وأهله ويخرج الرديء في سبيل الله. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه).
فإذا امتثلنا لأمر الله عز وجل في الزكاة وعرفنا الصفات التي يجب أن يتحلى بها المزكي فبقي أن نعلم لمن تعطى زكاة المال ومن هم مستحقيها. تعطى الزكاة لكل مسلم من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله عز وجل في قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليم حكيم).
والفقير هو من ليس له مال ولا قدرة على العمل فمن قدر على العمل فليس بفقير.
أما المسكين فهو الذي لا يكفيه دخله لقضاء حاجاته وإن كان يملك داراً أو أثاثاً أو ثوباً.
والعاملون عليها هم الذين يجمعونها ويوزعونها.
والمؤلفة قلوبهم على الإسلام هم الذين أسلموا وإسلامهم ضعيف أو كانوا شرفاء في قومهم ومطاعين ففي إعطائهم تقرير لهم على إسلامهم وترغيبٌ لهم ولغيرهم بالإسلام.
والرقاب هم العبيد فيدفع لهم ما يفكوا به رقابهم.
والغارم هو الذي استدان أو اقترض في أمر مباح ولا قدرة له على وفاء دينه.
وفي سبيل الله هم الغزاة المتطوعون بالجهاد فتعطى لهم إعانة لهم على الجهاد ولو كانوا أغنياء.
وابن السبيل هو المسافر سفراً مباحاً يعطى من الزكاة إن كان فقيراً أو يعطى ما يوصله إلى بلده وماله.

خطبة الحجاب



بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في كتابه العزيز:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
وقال عز وجل: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
بعث الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. بعثه لتحقيق عبادة الله تعالى وذلك بتمام الخضوع لله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتقديم ذلك على هوى النفس وشهواتها وكل شيء آخر.
والحجاب قد أمر الله به في كتابه العزيز بشكل واضح صريح لا يقبل الجدل أو المراء وذلك في الآيات التي ذكرناها من سورة الأحزاب وسورة النور. وكانت المؤمنات على مر الأجيال على طريق الاستقامة في ذلك فكانت النساء تخرجن متحجبات متجلببات محتشمات بعيدات عن مواقع الفتنة ومواضع الريب. حتى أتى زمان بدأت فيه النساء يخرجن سافرات متبرجات ولا يرون بأساً بذلك، ويرون من يفعل ذلك ولا أحد ينكر عليهن، حتى صار عند الناس شك في الحجاب وحصل ما حصل من الكلام مع الجدال حول الحجاب وفرضيته.
فاعلم يا أخي المسلم واعلمي يا أختي المسلمة أن حجاب المرأة أمر فرضه الله عز وجل في كتابه وأكده نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته. قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ). والخمار فسره العلماء بأنه ما تضعه المرأة على رأسها فهي مأمورة بأن تضرب به أي أن ترخيه على جيبيها وهو العنق والصدر. أي أن تغطي جميع رأسها وعنقها وصدرها ومواضع الفتنة فيها.
وفي الآية الأخرى قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا). والجلباب هو الرداء فوق الخمار مثل العباءة الفضفاضة الواسعة التي تخفي تفاصيل جسم المرأة ومفاتنها.
قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. وذكر أبو عبيدة السلماني أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق.
وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بخروج النساء إلى مصلى العيد قلن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ولتلبسها أختها من جلبابها )، وهذا يدل على أن المرأة لا تخرج إلا بجلباب وإن لم يكن لديها جلباب فلا تخرج ولا يأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، مع أن الخروج كان إلى أمر مشروع مأمور به وهو إلى مصلى العيد فكيف إذا كان لأمر غير مأمور به بل غير محتاج إليه.
فهذا أمر الله عز وجل وهذه سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فماذا يريد المسلمون بعد ذلك؟ , ودين الله عز وجل دين واحد وشرعه لا يتبدل مع تبدل المكان أو تبدل البلد والإسلام هو الإسلام لا يتغير حسب رأي الناس أو طلبهم.
فاتقوا الله عباد الله. اتقوا الله أيها المسلمون في نسائكم وبناتكم. اتقين الله أيتها المسلمات أيتها المؤمنات في أنفسكن وفي بناتكن. اتقوا الله وأتمروا بما أمر به وانتهوا عن ما نهى عنه وحذر وازدجر. اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  وقودها الناس والحجارة.
فكل أبٍ مسؤول عن بناته ومحاسب معهن، هل يرضى أبٌ أن يلقي ابنته في النار، في نار الدنيا، طبعاً لا يرضى ذلك، فكيف به في نار جهنم والعياذ بالله وهي أحر من نار الدنيا بسبعين ضعفاً.
وكل زوج مسؤول عن زوجته ومحاسب معها عن الالتزام بأمر الله وصون حرماته.
وكل امرأة مسؤولة أمام الله عن نفسها وعن بناتها، هل حفظت ما أعطاها الله من حسن وجمال وأطاعت أمر الله فيه، أم ضيعت حدود الله وارتكبت ما نهى الله عنه.
فاتقوا الله عباد الله واحذروا ما حرم الله عليكم. واعلموا أن الله سائلكم عن ذلك ومجازيكم على أعمالكم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدُّنيا حلوةٌ خَضِرة، وإنَّ الله مُستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملُون؟ فاتقوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساء؛ فإنَّ أوَّل فِتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء).
فانتبهوا أيتها الأخوات المسلمات إلى لباسكم وغطوا ما أمر الله بتغطيته واحتجبوا بالحجاب والجلباب والبسوا من الثياب العباءة الفضفاضة الواسعة وغطوا الرأس والصدر والنحر. وتجنبوا لبس الثياب الرقيقة أو القصيرة أو الضيقة التي تظهر مفاتن المرأة ومحاسنها وإياكم والتشبه بنساء الكفار في لبس القصير والرقيق والضيق وفي إظهار المحاسن وإبداء الشعور فهو من أعظم المفاسد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ). وانتبهوا أيها الرجال إلى ما تضعه نسائكم وبناتكم على أنفسهن من الثياب قبل أن يخرجن، وامنعوهن من لبس الثياب القصيرة والثياب الرقيقة أو الضيقة التي تجعل المرأة شبه عارية وتلقي بها إلى الفساد والفتنة ورقة الدين وقلة الحياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صنفان من أهل النار لم أراهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس).
فيجب الحذر من ذلك غاية الحذر ومنع النساء منه والشدة في ذلك لأن عاقبته وخيمة وفساده عظيم.
ولا يجوز التساهل في ذلك مع البنات الصغار لأن تربيتهن على كشف أجسامهن يؤدي إلى اعتيادهن ذلك وكراهة ما سواه إذا كبرن فيجب تربيتهن على تقوى الله والحجاب حتى يكبرن بعيدات عن الفساد وعن الفتن.
اتقوا الله عباد الله وإياكم والتساهل في دين الله واعلموا أن من الواجب على المسلمين جميعهم وعلى أولياء النساء وأزواجهن خاصة أمر النساء بالحجاب وإنكار ما يرونه من المنكر كالتبرج والزينة والعادات السيئة التي انتشرت بين النساء والرجال. ومن هذه العادات الاختلاط المحرم، والخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة، ومصافحة الرجل للمرأة، والأسوء من ذلك تقبيل الرجل للمرأة الذي انتشر كثيرا حتى بين المسلمين في بلاد الغرب الذين يقلدون الكافرون اليهود والنصارى. وهذه العادات كلها حرام ويجب إنكارها على من يفعلها.
فعلى أولياء النساء وأزواجهم إنكار هذا المنكر والغلظة فيه والشدة على من تساهل في ذلك. عسى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا ما نزل من البلاء ويهدينا ويهدي نساءنا إلى الصراط المستقيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان).

الاثنين، 6 مايو 2013

خطبة صيام شهر رمضان



بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في كتابه العزيز: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
فرض الله عز وجل في هذه الآية الصيام على أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما فرضه على الأمم السابقة.
وعندما فرض الله عز وجل الصيام على عباده امتن عليهم بأجر عظيم على صيامهم، فجعل الصوم حصناً لهم من مكائد الشيطان وعلمهم به تربية نفوسهم على الصبر والتقوى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصوم نصف الصبر).
والصيام يعلم النفس النظام والعدل والمساواة ويشعرها بوحدة المجتمع الإسلامي وينمي في القلب عاطفة الرحمة والشفقة وخلق الإحسان وحب المساكين ويطهره من الشرور والمفاسد والآثام.
أما البدن فهو يسعد بالصيام ويتطهر من الرواسب والفضلات ويذوب ما فيه من سمنة وشحوم، ويكفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (صوموا تصحوا).
أما جزاء الآخرة وهو الأبقى والأهم فهو جنات عدن ونعم لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، وقال في آية أخرى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) قال العلماء كان عملهم الصيام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يقول الله عز وجل: إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي، فالصوم لي وأنا أجزي به).
فقد جعل الله عز وجل الصوم عبادة مميزة عن بقية العبادات بالأجر والثواب العظيم الذي لا يعلمه إلا هو فقال إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، وذلك لأن الصوم هو كف وترك وليس عملاً يشاهد فلا يراه إلا الله عز وجل، فالشهوات هي وسيلة الشيطان وهي تقوى بالأكل والشرب وفي قهر الشيطان نصرة لله سبحانه وتعالى.
ونحن الآن على أبواب شهر رمضان شهر عظيم كريم كرمه الله عز وجل على باقي الشهور بجعل صيامه فريضة على كل مسلم. قال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان).
والأحاديث في فضل شهر رمضان وفضل صيامه كثيرة جداً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجان وغلقت أبواب النار وفتحت أبواب الجنة ونادى منادي: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر اقصر) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
أما الإفطار في رمضان عمداً وبغير عذر فهو كبيرةٌ من الكبائر وإهدارٌ لفريضة من فرائض الله عز وجل وإذا استحلَّ المفطر فطره كان كافراً لأنه أحلَّ حراماً وأنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
فعلينا منذ اليوم الاستعداد لهذا الشهر الكريم شهر رمضان المبارك الاستعداد بالطاعات والعبادات بالإقبال على الله عز وجل بإصلاح نفوسنا و أخلاقنا و بالعودة إلى دين الله وبالاصطلاح مع الله بعد ما أفسدنا وعصينا. فرمضان هو شهر التوبة وشهر التائبين العائدين إلى فضل الله وكرمه.
ورمضان هو شهر العبادات والبر والإحسان وكل عمل فيه أجره مضاعف وعظيم. وهو شهر الصدقة وشهر تلاوة القرآن وقيام الليل وشهر الاعتكاف والعمرة إلى بيت الله الحرام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة صدقة في رمضان) وكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان.
وقال عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي ليالي رمضان وإذا كان العشر الأواخر أيقظ أهله وكل صغير وكبير يطيق الصلاة. وكان يكثر من قراءة القرآن الكريم ويعتكف في مسجده.
نذكركم أخيراً بحرمة صوم يوم الشك وهو اليوم الذي لا تثبت فيه رؤية القمر ويكون فيه شهر شعبان لم يكتمل فلا يجوز صيام هذا اليوم إذا لم يثبت أنه من شهر رمضان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً).